أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
89
تهذيب اللغة
وعُمْياً وهم يُبْصِرون ؟ والجواب في ذلك : أنَّ سَمْعَهم لمّا لم يَنْفعْهم لأنَّهم لم يَعُوا به ما سَمعوا ، وبَصَرهم لما لم يُجْدِ عليهم لأنهم لم يَعْتَبِرُوا بما عايَنوه من قُدْرة اللّه تعالى وخَلْقِه الدَّالِّ على أنَّه واحد لا شريكَ له ، ونُطقَهم لما لم يُغْنِ عنهم شيئاً إذْ لم يُؤمنوا به إيماناً يَنْفَعهم ، كانوا بمنزلة مَنْ لا يَسْمَع ولا يُبْصِر ولا يَعِي ، ونحوٌ من قول الشاعر : * أصَمُّ عمّا ساءَه سَمِيعُ * يقول : يتصامَم عمّا يَسوءُه ، وإن سَمِعه فكان كأنه لم يسمعه ، فهو سميع ذُو سَمْع ، أصَمُّ في تَغَابِيه عمّا أُريدَ به . وجمعُ الأصَم : صُمٌّ وصُمَّانٌ . أبو عُبَيد عن الأصمعيّ من أمثالهم : صَمِّي صَمَام . ويقال : صَمِّي ابْنَةَ الجَبَل ، يضرب مَثَلًا للداهية الشديدة ، كأنَّه قيل لها : اخْرَسِي يا داهية . وكذلك يقال للحيّة التي لا تجيب الرَّاقيَ : صَمّاء ، لأنّ الرُّقَى لا تَنْفَعُها . والعَرَبُ تقول : أصَمّ اللَّهُ صَدَى فلان ، أي : أهْلَكَهُ اللّه . والصّدَى : الصوتُ الّذي يَرُدُّهُ الجَبَلُ إذا رَفعَ فيه الإنسانُ صوتَهُ ، وقال امرؤ القيس : صَمَّ صَداها وعَفَا رَسْمُهَا * واسْتَعْجَمَتْ عن مَنْطِق السائِل ومنه قولُهم : صَمِّي ابْنَة الجَبَل ، مهما يُقَلْ تَقُلْ ، يريدون بابنةَ الجبَل : الصّدى . والعَرَبُ تقول للحرب إذا اشتدَّتْ وسُفِكَ فيها الدِّماء الكثيرةُ : صَمَّتْ حَصَاةٌ بدَمٍ ، يريدون أنّ الدِّماء لما سُفكَتْ وكثُرَتْ اسْتَنْقَعَتْ في المَعركة ، فلو وقعتْ حَصاةٌ على الأرض لم يُسمع لها صوتٌ ، لأنَّها لا تقعُ إلَّا في نجيع . ويقال للدَّاهية الشديدة : صَمَّاءُ وصَمَامِ ، وقال العجَّاج : صَمَّاءُ لا يبْرِئها من الصَّمَمْ * حوادثُ الدهرِ ولا طُولُ القِدَمْ ويقال للنَّذير إذا أَنْذَرَ قوماً من بَعِيدٍ وأَلْمَعَ لهم بثَوْبه : لمعَ بهمْ لَمْعَ الأصَمّ ، وإن بالَغَ يَظنّ أنّه مقصّر ، وذلك أنه لما كثر إلماعُه بثوبه كان كأنهُ لا يسمعُ الجوابَ ، فهو يُديمُ اللمعَ ، ومن ذلك قول بشر : أشار بهم لمع الأصمِّ فأقبلوا * عرانين لا يأتيه للنصر مُجلِبُ أي : لا يأتيه مُعينٌ من غير قومه ، وإذا كان المعينُ من قومه لم يكن مُجلباً . ويقال : ضربه ضربَ الأصمّ : إذا تابعَ الضربَ وبالغ فيه ، وذلك أنَّ الأصمَّ وإن بالغ يظن أنه مقصِّر فلا يُقلع ، وقال الشاعر : فأبْلِغْ بَني أسَدٍ آيةً * إضا جِئتَ سَيِّدَهُمْ والمَسُودَا فأُوصيكُمْ بطِعَانِ الكُماةِ * فقد تَعلمون بأنْ لا خُلودَا